الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

45

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قدور المجوس . فقال له : « أنقوها غسلا واطبخوا فيها » . وفي البخاري : أنّ أبا ثعلبة سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عن آنية أهل الكتاب . فقال له : « إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها ، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثمّ كلوا فيها » . قال ابن العربي : « فغسل آنية المجوس فرض ، وغسل آنية أهل الكتاب ندب » . يريد لأنّ اللّه أباح لنا طعام أهل الكتاب فقد علم حالهم ، وإنّما يسري الشكّ إلى آنيتهم من طعامهم وهو مأذون فيه ، ولم يبح لنا طعام المجوس ، فذلك منزع التفرقة بين آنية الفريقين . ثم الطعام الشامل للذكاة إنّما يعتبر طعاما لهم إذا كانوا يستحلّونه في دينهم ، ويأكله أحبارهم وعلماؤهم ، ولو كان ممّا ذكر القرآن أنّه حرّمه عليهم ، لأنّهم قد تأوّلوا في دينهم تأويلات ، وهذا قول مالك . وأرى أنّ دليله : أنّ الآية عمّمت طعامهم فكان عمومها دليلا للمسلمين ، ولا التفات إلى ما حكى اللّه أنّه حرّمه عليهم ثم أباحه للمسلمين ، فكان عموم طعامهم في شرعنا مباحا ناسخا للمحرّم عليهم ، ولا نصير إلى الاحتجاج « بشرع من قبلنا . . . » إلّا إذا لم يكن لنا دليل على حكمه في شرعنا . وقيل : لا يؤكل ما علمنا تحريمه عليهم بنصّ القرآن ، وهو قول بعض أهل العلم ، وقيل به في مذهب مالك ، والمعتمد عن مالك كراهة شحوم بقر وغنم اليهود من غير تحريم ؛ لأنّ اللّه ذكر أنه حرّم عليهم الشحوم . ومن المعلوم أن لا تعمل ذكاة أهل الكتاب ولا إباحة طعامهم فيما حرّمه اللّه علينا بعينه : كالخنزير والدم ، ولا ما حرّمه علينا بوصفه ، الذي ليس بذكاة : كالميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وأكيلة السبع ، إذا كانوا هم يستحلّون ذلك ، فأمّا ما كانت ذكاتهم فيه مخالفة لذكاتنا مخالفة تقصير لا مخالفة زيادة فذلك محلّ نظر كالمضروبة بمحدّد على رأسها فتموت ، والمفتولة العنق فتتمزّق العروق ، فقال جمهور العلماء : لا يؤكل . وقال أبو بكر ابن العربي من المالكية : تؤكل . وقال في « الأحكام » : فإن قيل فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس فالجواب : أنّ هذه ميتة ، وهي حرام بالنصّ ، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن ، كالخنزير فإنّه حلال لهم ومن طعامهم وهو حرام علينا - يريد إباحته عند النصارى - ثم قال : ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها ؛ هل تؤكل معه أو تؤخذ طعاما منه ، فقلت : تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه ، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا ولكن اللّه تعالى أباح طعامهم مطلقا وكلّ ما يرونه في دينهم فإنّه حلال لنا في ديننا » . وأشكل على كثير من الناظرين وجه الجمع بين كلامي ابن العربي ، وإنّما أراد التفرقة بين ما هو من أنواع قطع الحلقوم ، والأوداج ولو بالخنق ،